Sunday, February 3, 2008

الهيكلزم


استنطاع العقل العربي: مقال لحازم عبد الرحمن, بتصرف محدود

كنا مجموعة من الصحفيين العرب في مهمة بالاتحاد السوفيتي بين شهري سبتمبر وديسمبر‏1989,‏ تلك الأيام المجيدة في حياة الشعوب السوفيتية وشعوب شرق أوروبا‏,‏ وكان المدهش أن الغالبية العظمي من الزملاء العرب يعارضون موجات المد العاتي بين هذه الشعوب للانعتاق من أسر وقبضة الدولة السوفيتية الخانقة‏,‏ وأذكر أن المحاضرين كانوا يتوجهون لنا بسؤال‏:‏ لماذا تعتبرون تحررنا وتمتعنا بنفس مستوي الحريات السياسية التي يتمتع بها أقراننا في الولايات المتحدة وغرب أوروبا ضد مصالحكم؟‏..‏ لماذا يجب أن نخضع في روسيا وشرق أوروبا لنظم حكم مستبدة وظالمة لكي نظل أصدقاء لكم؟


صدمتني بشدة‏,‏ الطريقة التي تعامل بها الأستاذ هيكل‏,‏ في مقالته رقم‏5‏ مع أحداث شرق أوروبا‏,‏ فقد أعتبر أن الثورة الشعبية المجرية التي قادها رئيس الوزراء والزعيم الشيوعي إيمري ناجي عام‏1956‏ ضد الحكم السوفيتي لبلاده‏,‏ هي نوع من الأساليب الساخنة التي استخدمتها الولايات المتحدة‏,‏ لكي تنقل المواجهة مع موسكو إلي قلب معسكرها‏,‏ ثم يضيف إن السوفيت تعلموا درس المجر مجرد التحريض والاثارة‏,‏ ثم تعلموا درس تشيكوسلوفاكيا‏1968‏ الإثارة بقيادة قوة سياسية محلية هي الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي تحت قيادة أليكساندردوبتشيك ثم يتحدث عما كان يجري في بولندا فيقول انه‏(‏ آخر تجاربهم‏)‏ والهم هي الأمريكيون ويتطرق إلي أن لديه وثيقة تكشف حصول الزعيم العمالي الشاب ليخ فاونسا علي‏12‏ مليون دولار لمصلحة نقابة تضامن الوليدة محولة إليه بأمر الفاتيكان البابا بولندي وهو يوحنا بولس الثاني عبر بنك إيطالي‏.‏


هكذا يتعامل الاستاذ هيكل باستخفاف مع تحولات سياسية غيرت خريطة العالم وإلي الأبد وتلقي علي دروسه عن التاريخ وتطوراته بظلال كثيفة من الشك حول مدي عمق اهتمام الاستاذ أو احترامه لحركات الشعوب‏,‏ وتحركات التاريخ‏,‏ فوفقا لتصوراته عام‏1982‏ لا يعدو كل ما جري ويجري أمامه في شرق أوروبا والاتحاد السوفيتي إلا مجرد عمليات سرية لوكالة المخابرات المركزية لنقل المواجهة بين القطبين إلي داخل القلب السوفيتي‏.‏


لقد رأي الاستاذ الدبابات السوفيتية في شوارع بودابست‏56‏ وفي براج‏68‏ ولكنه لم ير أو يشغل باله برؤية الشعب الذي أنتج التحرك المؤدي إلي خروج هذه الدبابات إلي الشوارع‏..‏ أيضا لم يلحظ الاستاذ‏,‏ أن السوفيت أدركوا أن الدبابات لم تعد تصلح في وارسو‏83‏ ((و لا بوخاريست تسعة و ثمانين و لا برلين و لايبزج تسعة و ثُمانين )) وفضلوا أن يقتنعوا بوجهة نظر الجنرال ياروزيلسكي بأن يصبح حاكما عسكريا عاما لبولندا ويعلن حالة الطوارئ رغم علمهم بأنه في هذه المرة لن تسلم الجرة‏.


وأريد فقط أن أوجه للأستاذ سؤالا واحدا‏:‏ كيف سترد علينا شعوب شرق أوروبا والاتحاد السوفيتي إذا قلنا لهم إن صراعهم التاريخي من أجل الحرية والانعتاق من الاستبداد السوفيتي هو مجرد عملية من تدبير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أو أي جهاز مخابرات آخر؟‏.‏


يبدو أن الاستاذ‏,‏ دلنا من حيث لم يكن يقصد‏,‏ علي الطريقة التي وقعت بها نكسة‏67,‏ وهي‏,‏ علي حد قوله‏,‏ في هذه المجموعة من المقالات‏,‏ مجرد معركة‏,‏ فقد ظل يتصور أن قواتنا سوف تنتصر‏,‏ وأنها ستحقق الهدف المطلوب منها‏,‏ بالرغم من أنه يملك تحت يديه كل المعلومات التي تبين له أن مثل هذا النصر لا يمكن أن يكون أبدا‏,‏ فالاستاذ‏,‏ بكل علمه واتصالاته‏,‏ لم يستطع أن يري‏,‏ أن الكتلة السوفيتية والعالم كله معها‏,‏ مقبلة علي أحداث تاريخية بكل معني الكلمة‏,‏ ورأي أن كل المؤشرات التي أمامه‏,‏ هي مجرد محاولات‏,‏ ومناورات سرية‏,‏ تتوقف بمجرد خروج دبابة من مكمنها‏,‏ فتضع الأمور في نصابها الصحيح؟‏!‏


وفي حالة الاستاذ علي الأخص‏,‏ كانت هذه الرؤية مهمة‏,‏ فاختفاء الاتحاد السوفيتي من الوجود‏,‏ يعني اختفاء الطرف الذي يعتمد عليه عرب الصمود والتصدي‏,‏ وأنصار القومجية العربية‏,‏ وأنصار الحرب ضد إسرائيل لآخر خول مصري‏.‏ وبالرغم من الأهمية الفائقة لهذا الاحتمال‏,‏ فإنه آثر ألا يراه‏,‏ وأن يري فقط ما يخدم أهدافه المباشرة‏,‏ وهي أنه إذا كانت الأعمال الصغيرة للولايات المتحدة في المجر وتشيكوسلوفاكيا وبولندا لم ولن تنجح‏,‏ فإنها نجحت في مصر‏,‏ لماذا؟ لأن الرئيس الراحل أنور السادات رفض أن يستنير‏,‏ ويستضيء‏,‏ ويهتدي بعلم ومعرفة ومعلومات الأستاذ هيكل‏,‏ في حين أنه أستجاب لإغراءات الأمريكيين والإسرائيليين ووقع في الفخ‏,‏ وبالطبع فإنه يجب أن يدفع الثمن‏,‏ وسوف يدفعه علي صفحات التاريخ‏,‏ خاصة إذا كان هذا التاريخ من تأليف الاستاذ‏


أسأل الأستاذ سؤالا واحدا‏:‏ هل تلك الأيام العاصفة والتاريخية بحق من شهر نوفمبر‏1989‏ وما بعدها‏,‏ يستطيع أن يصنعها أي جهاز مخابرات في العالم‏..‏ هل يمكن أن يصنعها أحد إلا الشعوب الراغبة في التحرر والانعتاق؟ وكيف لم ترها؟


يقول الاستاذ‏:‏ إن الذي كسر أو هزم حركة القومية العربية الظافرة هو السادات عن طريق توقيع اتفاق كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية‏,‏ فهل هذا الكلام صحيح؟إذن فمؤدي هذا الكلام‏,‏ أن كارثة يونيو‏1967‏ لم تكن هي الضربة القاضية التي أجهزت علي هذه القومية العربية‏:‏ بعد أن أصيبت في مقتل بانقلاب حزب البعث السوري علي دولة الوحدة مع مصر في‏28‏ سبتمبر‏1961,‏ والواقع والحقيقة التي يعرفها أي قارئ لتاريخ المنطقة أن يونيو‏67‏ لم يكن مجرد هزيمة في معركة بل هو النهاية الفعلية لعهد جمال عبدالناصر‏.‏ وإذا كان الرئيس عبدالناصر‏,‏ قد ظل علي قيد الحياة حتي‏28‏ سبتمبر‏1970,‏ فإن الواقع الفعلي أنه مات في ذلك اليوم الأغبر من يونيو‏67.‏‏‏

2 comments:

Amre El-Abyad said...

Great post!

Haikal is inconsistent one way and another.

Amre El-Abyad said...

Also there is fatal historical mistake in your article.

It was not the Syrian Baath that led that coup d'etat agianst the Egyptian unity state in 1961, but Syrian nationalist party. Later on, in 1961 the Baath siezed power and asked for unity with Nasser who refused as he no longer trusted Syrians